مشروع جبل لبنان وحق تقرير المصير – ردّ على خطاب رفض التقسيم واستقلال جبل لبنان

North Maronite بقلم

في كل مرة يُطرح فيها مشروع استقلال جبل لبنان أو حق السريان الموارنة وبقية المسيحيين التاريخيين في حكم أنفسهم، يتم الرد فورًا بنفس السردية التقليدية:

• التقسيم يعني الحرب.

• لبنان لا يعيش دون بعضه.

• جبل لبنان لن يصمد اقتصاديًا.

• الفيدرالية أو اللامركزية هي الحل الوحيد الممكن.

• والمسيحيون يجب أن يقبلوا بالواقع الحالي مهما كان الثمن.

لكن هذه السردية تتجاهل سؤالًا أساسيًا:

إذا كان النموذج اللبناني الحالي قد فشل بالكامل سياسيًا واقتصاديًا وسياديًا، فلماذا يصبح مجرد التفكير بحلول جذرية أمرًا محرّمًا؟

وهل المطلوب من المسيحيين في لبنان أن يبقوا أسرى دولة منهارة فقط خوفًا من تهمة “التقسيم”؟

هذا المقال لا يناقش الفيدرالية أو اللامركزية، لأن مشروع جبل لبنان لا يقوم أصلًا على هذا الطرح. بل يناقش فكرة أوضح وأكثر صراحة:

حق شعب تاريخي أصيل في استعادة سيادته السياسية على أرضه التاريخية.

أولًا: مشروع جبل لبنان ليس فكرة جديدة

هناك محاولة دائمة لتصوير أي حديث عن استقلال جبل لبنان وكأنه مشروع متطرف أو خيال سياسي حديث.

بينما الحقيقة التاريخية مختلفة تمامًا.

فجبل لبنان كان يتمتع بخصوصية سياسية وإدارية قبل إنشاء لبنان الكبير سنة 1920.

• تأسيس كيان لبنان مع مار يوحنا مارون.

• الإمارة اللبنانية.

• ثم المتصرفية.

كلها نماذج سبقت الجمهورية اللبنانية الحالية.

بل إن لبنان الكبير نفسه لم يكن مطلبًا شعبيًا مسيحيًا موحدًا في ذلك الوقت، لأن كثيرين كانوا يخشون ضم مناطق ذات توازنات ديموغرافية وسياسية مختلفة إلى جبل لبنان التاريخي.

بالتالي، فإن مشروع استقلال جبل لبنان ليس تقسيمًا لكيان طبيعي مستقر، بل محاولة للعودة إلى كيان تاريخي سبق الدولة الحالية نفسها.

ثانيًا: الموارنة ليسوا مجرد طائفة

أحد أكبر أخطاء الخطاب اللبناني الحديث هو اختزال الموارنة بكلمة “طائفة” فقط.

فالوجود الماروني في جبل لبنان ليس مجرد وجود ديني عابر، بل هو وجود قومي وتاريخي وثقافي متجذر منذ قرون.

الموارنة:

• حافظوا على الوجود المسيحي الحر في المشرق.

• أسسوا الكيان الجبلي التاريخي.

• طوروا التعليم والثقافة والصحافة.

• بنوا فكرة لبنان الحديثة.

• وشكلوا العمود الفقري للكيان اللبناني عند تأسيسه.

ومن هذا المنطلق، يرى أنصار مشروع جبل لبنان أن الموارنة يمثلون شعبًا تاريخيًا أصيلًا في هذه الأرض، وليس مجرد أقلية دينية داخل دولة عربية مركزية.

وإذا كان العالم يعترف بحق الشعوب الأصلية والتاريخية في تقرير مصيرها، فلماذا يصبح هذا الحق مرفوضًا فقط عندما يطالب به مسيحيو جبل لبنان؟

ثالثًا: هل التقسيم هو سبب الأزمة… أم نتيجة لها؟

الخطاب الرافض للتقسيم يتعامل مع الفكرة وكأنها ستتسبب في انهيار لبنان.

بينما الواقع يقول العكس تمامًا.

ففكرة الانفصال لم تظهر لأن المسيحيين يريدون الحرب، بل لأن الدولة اللبنانية الحالية وصلت إلى مرحلة انهيار شبه كامل:

• انهيار اقتصادي.

• غياب السيادة.

• تعدد الجيوش.

• شلل المؤسسات.

• انهيار العملة.

• هجرة جماعية.

• فقدان الثقة الوطنية.

السؤال الحقيقي إذًا ليس:

لماذا يتحدث البعض عن الانفصال؟

بل:

كيف يمكن الاستمرار في دولة لم تعد قادرة أصلًا على العمل كدولة؟

رابعًا: الرد على فكرة أن التقسيم سيؤدي حتمًا إلى الحرب

يتم استخدام الحرب الأهلية كفزاعة دائمة لمنع أي نقاش سياسي جذري.

لكن الحقيقة أن لبنان يعيش أصلًا نوعًا من الحرب الباردة الداخلية:

• مناطق مغلقة سياسيًا.

• حدود أمنية غير معلنة.

• سلاح خارج سلطة الدولة.

• وتناقضات استراتيجية عميقة بين المكونات.

أي أن الوحدة الحالية ليست وحدة حقيقية، بل تعايش هش مفروض بالقوة والتوازنات.

ثم إن التاريخ العالمي لا يقول إن كل انفصال يؤدي إلى حرب.

هناك انفصالات تمت سلميًا عندما أصبح التعايش القسري مستحيلًا:

• تشيكوسلوفاكيا.

• دول البلطيق.

• تفكك الاتحاد السوفياتي.

المشكلة ليست في مبدأ الانفصال نفسه، بل في طريقة إدارته.

خامسًا: ماذا عن البقاع؟ وهل يستطيع جبل لبنان العيش بدونه؟

هذه من أكثر النقاط تكرارًا في أي نقاش حول استقلال جبل لبنان.

ويتم طرحها غالبًا وكأن جبل لبنان كيان عاجز اقتصاديًا لا يمكنه البقاء دون البقاع أو الجنوب.

لكن هذا الطرح يتجاهل عدة حقائق أساسية.

1- جبل لبنان تاريخيًا لم يكن قائمًا على الزراعة فقط

القوة الأساسية لجبل لبنان عبر التاريخ كانت:

• التجارة.

• المرافئ.

• التعليم.

• المصارف.

• الخدمات.

• الاغتراب.

• والاستثمار.

أي أن اقتصاده كان دائمًا اقتصادًا بحريًا وتجاريًا وخدماتيًا أكثر منه اقتصادًا زراعيًا تقليديًا.

2- دول كثيرة تعيش بموارد أقل

هناك دول صغيرة جدًا نجحت اقتصاديًا رغم محدودية المساحة والموارد الطبيعية:

• سنغافورة.

• لوكسمبورغ.

• مالطا.

• الإمارات قبل النفط.

العبرة ليست فقط بحجم الأرض الزراعية، بل بطبيعة النظام الاقتصادي والإدارة والسيادة والاستقرار.

3- الاعتماد الاقتصادي لا يعني الوحدة السياسية

حتى لو وُجد تكامل اقتصادي بين جبل لبنان والبقاع أو غيره، فهذا لا يعني بالضرورة البقاء ضمن دولة مركزية واحدة.

فالعالم مليء بدول مستقلة تتبادل:

• المياه.

• الكهرباء.

• الغذاء.

• والتجارة.

عبر اتفاقيات طبيعية بين الدول.

إذن، العلاقة الاقتصادية لا تلغي حق تقرير المصير السياسي.

سادسًا: هل المسيحيون يريدون طرد الآخرين؟

واحدة من أكثر المغالطات شيوعًا هي تصوير مشروع جبل لبنان وكأنه مشروع تطهير أو إقصاء.

بينما الفكرة الأساسية للمشروع هي:

• حكم المسيحيين التاريخيين لأرضهم التاريخية.

• ضمن دولة ذات هوية واضحة.

• مع احترام كامل للحقوق المدنية والفردية لجميع السكان.

أي أن المشروع لا يقوم على الإلغاء الديني أو العنصري، بل على إنهاء حالة الذوبان السياسي والعددي التي يعيشها المسيحيون داخل النظام الحالي.

فلا توجد أي جماعة بشرية في العالم تقبل بالتحول التدريجي إلى أقلية فاقدة للقرار داخل أرض تعتبرها موطنها التاريخي.

سابعًا: السلاح غير الشرعي غيّر معنى لبنان

من المستحيل تجاهل النقطة الأساسية التي يتم القفز فوقها دائمًا.

وهي أن لبنان لم يعد دولة ذات سيادة موحدة فعلًا.

فوجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة، مرتبطة بمحور إقليمي، غيّر طبيعة الكيان اللبناني بالكامل.

وبالنسبة لكثير من المسيحيين، فإن الأزمة لم تعد فقط اقتصادية أو دستورية، بل وجودية.

لأن السؤال أصبح:

هل يستطيع المسيحيون الاستمرار داخل دولة لا يملكون فيها القرار السيادي النهائي؟

وهل يمكن لدولة متعددة أن تستمر عندما تكون قرارات الحرب والسلم خارج مؤسساتها الرسمية؟

من هنا، يعتبر البعض أن مشروع جبل لبنان ليس مشروع انعزال، بل مشروع حماية وجود سياسي وحضاري مهدد.

ثامنًا: لماذا لا تكفي الفيدرالية أو اللامركزية؟

يحاول كثيرون تقديم الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة كحل وسط.

لكن أنصار مشروع جبل لبنان يرون أن هذه الطروحات لم تعد كافية للأسباب التالية:

• لأن السيادة النهائية ستبقى بيد الدولة المركزية.

• لأن قرار الحرب والسلم لن يتغير.

• لأن التوازن الديموغرافي العام سيستمر بالتحول.

• ولأن التجربة اللبنانية أثبتت أن أي توازن دستوري يمكن تعطيله بالقوة السياسية أو العسكرية.

لذلك، يرى أنصار المشروع أن الحل الحقيقي يجب أن يكون واضحًا وصريحًا:

كيان مستقل يمتلك قراره السياسي والسيادي الكامل.

تاسعًا: هل المشروع واقعي؟

القول إن مشروع جبل لبنان غير واقعي يتجاهل أن معظم التحولات السياسية الكبرى في التاريخ كانت تبدو مستحيلة قبل حدوثها.

• سقوط الاتحاد السوفياتي.

• استقلال دول صغيرة.

• تفكك يوغوسلافيا.

• استقلال تيمور الشرقية.

• ⁠استقلال صومالي لاند.

كلها كانت تبدو غير واقعية في مرحلة معينة.

السياسة تتغير عندما تصبح الصيغة القديمة غير قابلة للحياة.

وهذا تحديدًا ما يشعر به كثير من المسيحيين اللبنانيين اليوم.

خاتمة

النقاش حول مشروع جبل لبنان ليس نقاشًا عاطفيًا أو انعزاليًا كما يحاول البعض تصويره.

بل هو نقاش مرتبط بأسئلة وجودية وسيادية وتاريخية عميقة:

• من يحكم؟

• من يقرر الحرب والسلم؟

• هل بقي لبنان الحالي قابلًا للحياة؟

• وهل يحق لشعب تاريخي أن يطالب بحكم نفسه على أرضه التاريخية؟

التمسك الأعمى بصيغة أثبتت فشلها ليس وطنية.

كما أن رفض أي نقاش حول تقرير المصير بالقوة الأخلاقية أو التخوين لم يعد كافيًا لإقناع أحد.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية:

لا يمكن بناء شراكة حقيقية داخل دولة عندما يشعر جزء أساسي من شعبها أن وجوده السياسي والتاريخي مهدد.

ولهذا السبب، لم يعد مشروع جبل لبنان مجرد فكرة، بل أصبح بالنسبة لكثيرين مشروع بقاء سياسي وحضاري، وعلى المسيحي المهتمّ بديمومة شعبه الوقوف الى جانب هؤلاء الجبل لبنانيين والمساعدة في تصويب التكتيك بدل ضرب الاستراتيجيا

Leave a comment