بشير الجميل وصنمية الـ١٠,٤٥٢ كم٢: قراءة واقعية في زمن التحلل

North Maronite بقلم

مقدمة: هل كان بشير سيتمسّك بالرقم اليوم؟

لطالما سُجن فكر بشير الجميل في برواز الـ “١٠,٤٥٢ كلم٢”، حتى تحول هذا الرقم إلى أداة “تخدير” سياسي تُستخدم لإبقاء المجتمع المسيحي رهينة لصيغة تعايش أثبتت عقمها منذ عام 1920.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن في عام ٢٠٢٦، وسط هذا التحلل الكامل للدولة والهيمنة المطلقة للأجندات الإسلامية العابرة للحدود: هل كان بشير الجميل “الواقعي” سيظل متمسكاً بهذا الرقم كصنم لا يُمَس؟

الحقيقة أن بشير "المقاوم" لم يقدس المساحة لذاتها يوماً، بل قدس "القرار الحر". الجغرافيا بالنسبة له كانت وسيلة سيادية؛ فإذا تحولت الـ ١٠,٤٥٢ من وطن إلى مقبرة للهوية وساحة مفتوحة للمشاريع العروبية التي استنزفت لبنان منذ إعلان "دولة لبنان الكبير"، يسقط الرقم فوراً ويبقى الجوهر: استمرارية المجتمع المسيحي.

هذا المجتمع هو استمرار تاريخي لأمة “سريانية مارونية” مارست استقلالها الفعلي منذ أن ثبّت البطريرك الأول، القديس يوحنا مارون، ركائز الكيان في “كفرحي”. لم يقاتل الموارنة عبر التاريخ من أجل حدود رسمتها ابادة عام ١٩٢٠، بل قاتلوا من أجل “السيادة” في قلب الجبل.

بشير الجميل، ببراغماتيته العسكرية، أدرك أن الخلل البنيوي الذي بدأ مع توسعة الحدود هو الذي شرّع الأبواب أمام “الأجندات الغريبة” عام ١٩٤٦، ولو كان حياً اليوم لرأى أن التمسك بالـ ١٠٤٥٢ في ظل نظام يبتلع خصوصيتنا هو فعل “انتحار”، لا فعل “وطنية”.

أولاً: كفرٌ بميثاق ١٩٤٣.. لبنان كخطيئة دستورية ميثاقية

من يقرأ محاضر اجتماعات بشير الجميل يدرك أنه كان أول من نادى بإنهاء “كذبة” التعايش تحت مظلة ميثاق ١٩٤٣. كان يرى أن هذا الميثاق ليس سوى عقد إذعان فرضه الواقع الديموغرافي الجديد بعد ١٩٢٠.

ميثاق ١٩٤٣ سقط ومات، ولا يمكن بعث الجثث من القبور. هذا لم يكن مجرد رأي، بل كان تشخيصاً واقعياً لفشل دمج مجتمع ماروني-سرياني تطلع دائماً نحو الحداثة، مع محيط استمر في الارتهان للعروبة والإسلام. بالنسبة لبشير، العودة إلى “لبنان الجوهر” (لبنان الصغير) كانت دائماً الخيار “ب” الجاهز للتنفيذ إذا فشل مشروع الدولة المركزية.

ثانياً: الموقف من الأجندات العربية

خلافاً للمحاولات المتأخرة لتصوير بشير كـ “صديق للعرب”، كانت رؤيته للدور العربي، وتحديداً السعودي والمصري، تتسم بالريبة السياسية الصرفة.

كان يعتبر أن “العروبة” هي الحصان الذي يمتطيه الفلسطيني والسوري والمسلم اللبناني لضرب الوحود المسيحي.

كان يقول: “لبنان ليس جسراً للعروبة”. لم يكن بشير مغرماً بالرياض والقاهرة؛ بل كان يدرك أن الأموال والأجندات القادمة من هناك لم تخدم يوماً استقرار المسيحيين، بل مولت القوى التي سعت لتغيير وجه لبنان. الواقعية السياسية عند بشير كانت تملي عليه التعامل مع العرب كأمر واقع، لكنه في قرارة نفسه كان يرى أن مصلحة “الأمة المارونية” تكمن في الانفكاك عن هذه الصراعات التي لا تشبهنا.

ثالثاً: صنمية الرقم مقابل واقعية البقاء

إن عبارة “١٠,٤٥٢ كلم٢” التي رفعها بشير في ذروة المواجهة عام ١٩٨٢ لم تكن عقيدة مقدسة، بقدر ما كانت أداة ضغط دولية وقانونية لإخراج الجيوش الغريبة (السورية والفلسطينية) من كامل التراب اللبناني. لكن بشير “القائد الميداني” كان يدرك أن الجغرافيا بلا سيادة هي مجرد “أرض محتلة” بغطاء شرعي.

في جلساته المغلقة (حرب زحلة)، كان بشير أكثر صراحة وواقعية: “إننا نفضل أن نعيش في بضعة كيلومترات مربعة بكرامة، على أن نعيش في ١٠,٤٥٢ كلم٢ تحت الذل”. هذا التصريح هو المفتاح لفهم فكر بشير الحقيقي؛ فالحرية والكرامة الإنسانية للمجتمع المسيحي تعلو فوق أي قدسية للحدود التي رُسمت عام ١٩٢٠. لو وضعنا بشير اليوم في واقع ٢٠٢٦، أمام دولة مخطوفة وأجندات إسلامية عابرة للحدود، لكان أول من حطم “صنم الرقم” ليحافظ على “وجود الشعب”.

رابعاً: الفشل البنيوي لـ “لبنان الكبير” منذ ١٩٢٠

إن ما نعيشه اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لخطيئة عام ١٩٢٠. لقد تم إقحام الأمة المارونية السريانية، ذات الجذور الثقافية المختلفة، في كيان يضم مكونات لم تؤمن يوماً بـ “لبنان”، بل بالارتهان للمحيط العروبي والإسلامي.

هذا الصدام المستمر منذ مئة عام أثبت أن الدولة المركزية أصبحت أداة لقلع الوجود المسيحي ونهب مقدراته لصالح “الأجندات الاسلامية العربية”. بشير الجميل، ببراغماتيته، كان يرى أن الاستنزاف المسيحي في هذه الصيغة هو انتحار بطيء، وأن الحل لا يمكن أن يكون بترميم “جثة” الـ ١٠,٤٥٢، بل بالعودة إلى المنطق السيادي الذي بدأ في “كفرحي” قبل ان يأتي مشروع التجربة الرئاسية، ويفرض خطاباً مختلفاً.

خامساً: مشروع جبل لبنان.. الانكماش كفعل استراتيجي (The Core Strategy)

هنا تكمن الرؤية الواقعية التي يطرحها “مشروع جبل لبنان” (Mount Lebanon Project). نحن لا ننادي بالتقوقع، بل بـ “الانكماش الاستراتيجي” نحو النواة الصلبة (The Core).

١. البداية من المركز التاريخي: القاعدة هي العودة إلى “جبل لبنان” ككيان سيادي مستقل بقراره، واقتصاده، ودستوره، وقوانينه الحديثة. هذا “اللبنان الصغير” هو المختبر الحقيقي للحداثة والسيادة، حيث يُمارس أحفاد يوحنا مارون حقهم في تقرير المصير (Self-Determination) بعيداً عن صراعات المحاور الإسلامية.

٢. النواة كنموذج جذب: إن بناء دولة ناجحة، آمنة، ومتطورة في الجبل سيحولها إلى “مغناطيس” جغرافي وسياسي. نحن لا نتوسع بالسلاح، بل بقوة النموذج.

٣. الاستفتاء والتوسع العضوي: بعد تثبيت النواة، يُترك الخيار للمناطق الجغرافية الأخرى (من الشمال إلى الجنوب والبقاع). فإذا أرادت أي منطقة الانضمام، يتم ذلك عبر استفتاءات شعبية شفافة برعاية دولية، وبناءً على معايير الدستور الجديد للجبل.

٤. نظام الاتحاد الفيدرالي المستقبلي: الرؤية النهائية قد تكون “اتحاد ولايات” (Federal States) مبني على التعاقد الحر لا على الإلحاق القسري. هذا الاتحاد يضمن ألا تفرض “أجندة إسلامية” أو “عروبية” على الدولة، وألا يدفع المسيحيون ضريبة صراعات لا تخصهم.⁠

خاتمة: العودة إلى كفرحي لإنقاذ المستقبل

إن المقال يخلص إلى أن بشير الجميل في عام ٢٠٢٦ لن يكون “عابد أرقام”، بل سيكون “منقذ أمة”. إن التمسك بصنمية الـ ١٠,٤٥٢ في ظل الواقع الحالي هو “خيانة” لروح المقاومة المارونية.

إن مشروع “جبل لبنان” هو استكمال لروحية الكنيسة المارونية التي صرخت يوماً: “إما أن نعيش أحراراً أو لا نكون”.

والحرية اليوم تبدأ بالانفصال عن منظومة الفشل، والعودة إلى “النواة” في الجبل لترسيخ حق تقرير المصير. نحن لا نقسم الوطن، بل ننقذ “اهل الارض” من الذوبان في مشاريع الفناء العربي.

البداية من الجبل، والنهاية هي الحرية لكل من يريد العيش تحت سقف القانون والسيادة، بعيداً عن أوهام المساحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

Leave a comment